أحمد بن علي القلقشندي
148
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ومعنى أطرابلس فيما قيل ثلاث مدن ، وقيل مدينة الناس ( 1 ) . وهي مدينة من سواحل حمص واقعة في الإقليم الرابع . قال في « كتاب الأطوال » : طولها تسع وخمسون درجة وأربعون دقيقة ، وعرضها أربع وثلاثون درجة ؛ وكانت في الأصل من بناء الروم فلما فتحها المسلمون في سنة ثمان وثمانين وستمائة في الأيام الأشرفية « خليل بن قلاوون » رحمه اللَّه ، خرّبوها وعمروا مدينة على نحو ميل منها وسمّوها باسمها ، وهي الموجودة الآن ؛ ولما بنيت هذه المدينة الجديدة كانت وخيمة البقعة ، ذميمة السكن . فلما طالت مدّة سكنها وكثر بها الناس والدوابّ وصرّفت المياة الآسنة التي كانت حولها وعملت بساتين ، ونصبت بها النصوب والغروس ، خفّ ثقلها وقل وخمها . قال في « مسالك الأبصار » : ولما ولي نيابتها أستدمر الكرجيّ كان لا ينفك عن كونه وخما فشكا ذلك إلى سليمان بن داود المتطبب ، فأشار عليه أن يستكثر فيها من الإبل وسائر الدوابّ ففعل فخفّ وخمها . قال : وقد سألت عن علة ذلك الكثير من الأطباء فلم يجيبوا فيه بشيء . قلت : لا خفاء أن المعنى في الإبل ما أشار به النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في أمر العرنيّين ( 2 ) حين استوخموا المدينة « أنهم يقيمون في إبل الصّدقة ويشربون من ألبانها وأبوالها ففعلوا ذلك فصحّوا » فكأن ذلك من خاصة الإبل . ولعل التأثير في ذلك للإبل خاصة دون سائر الدواب . وهي الآن مدينة متمدّنة كثيرة الزحام ؛ وبها مساجد ، ومدارس ، وزوايا ، وبيمارستان ، وأسواق جليلة ، وحمامات حسان ؛ وجميع بنائها بالحجر والكلس مبيضا ظاهرا وباطنا ، وغوطتها محيطة بها ، وتحيط بغوطتها مزدرعاتها ؛ وهي بديعة المشترف ؛ ولها نهر يحكم على ديارها وطباقها
--> ( 1 ) في حاشية الصفحة 389 من الروض المعطار : « الاستبصار : إياس . البكري : أناس . ولعل الصواب : أياس ، احتفاظا بالشكل القديم للإسم Oea . ( 2 ) في اللسان : 13 / 281 : « العرن داء يأخذ الدابة في آخر رجلها كالسّجح من الجلد يذهب الشعر . وأعرن الرجل إذا تشققت سيقانه » ثم قال : ورهط من العرنيين مثال الجهنيين ارتدوا فقتلهم النبي .